بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد فهذه رسالة كنت كتبتها قديما ردا على ما كنت قرأته في بعض كتب عبد السلام ياسين شيخ جماعة العدل والإحسان في معاوية رضي الله عنه سبا وشتما وطعنا على طريقة الشيعة ولا غرو فإنه كثيرا ما يقول عن الروافض : إخواننا الشيعة وحق له ذلك كما سترى. ورأيت أن أضعها هنا لعل الله ينفعني بدعائكم.
من العدل و الإحسان
إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له و أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا عبده و رسوله
أما بعد :
فقد ساءني كثيرا وقوع كثير من شباب جماعة العدل والإحسان في واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله و سلم من كتبة الوحـي وأصهاره صلى الله عليه وآله و سلم و هو معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه حيث أصبح مثل هذا ديدنا لهم في غير ما مناسبة و لست أنسى شابا منهم وقف وسط حلقة في كلية العلوم زمن دراستي هنالك يفتتح حديثا له عن توقيت ابتداء انتكاسة الإسلام, فبدأه بالحديث عن معاوية و أنه سبب ذلك مع سب وشتم و نسبة له إلى الظلم, وأصل ذلك مقولة شيخهم ياسين في الشورى والديمقراطية ص 242 ونصها : { خرج معاوية بن أبي سفيان بالسيف والبطش والقوة ، فغير مجرى تاريخ المسلمين ونقض أعلى عرا الإسلام } – و هذه سنتهم كل بداية سنة جامعية وأما الآن فلست أدري ما يفعلونه هنالك – الشيء الذي دفعني إلى طلب التدخل فأعطيت بضع دقائق لا غير و بعد هنية بينت فيها سوء أدبه مع واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله و سلم وقد كنت حديث عهد بمثل تلك الكلمات في الحلقات الجامعية فطلب مني المشرف عليها التوقف فلم أستجب فلغا بعضهم لغوا فسكت تنزها عن مثل ذلك اللغط , و لست أدري كيف استطعت ذلك و لكنه حب الصحابة فعل ما فعل, و إني أذكر جيدا أنه بعدما أتممت حديثي تفرق الجمع مبديا تقذرا من صاحبنا الياسيني غفر الله لي و له و ذاك ما كنت أبغي, و اعلم أخي أنهم ما كانوا ليتجرؤوا على معاوية ومن كان معه من أمثال المغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص رضي الله عنهما وكان في نحر كل من تكلم بكلمة سوء فيهما, لولا ما يأخذونه جاهزا من عبد السلام ياسين دون نقد أو تصفية كما في كتابه الموسوم بالشورى و الديمقراطية ـ وقد أخبرني بعض الإخوة الذين يعملون في سيارة الأجرة أن رجلا ركب معه فسمع كلاما للشيخ الحويني ينبعث من شريط { علموا أولادكم حب الصحابة } فأعجبه وسأله عن اسم الشريط كي يقتنيه ثم أخبره أن أخا له كان من جماعة العدل والإحسان ثم صار شيعيا يسب الصحابة ويحاول نشر ذلك في بيته ولا حول ولا قوة إلا بالله !
فطريقته في قراءة التاريخ لا صلة لها بالأسلوب النقدي العلمي ـ والرجل كما قال الإمام مالك رحمه الله { لا يكون إماما أبدا وهو يحدث بكل ما سمع } رواه مسلم في المقدمة ـ إنما منهجه في ذلك :
( كتب التاريخ حافلة بالأمثلة لو كان من ينصف ويقر)أ (ص301/الشورى } و( هكذا روى المشهد ابن الأثير (ص247/الشورى ) وقد اعتدى الرجل في كتابه ذاك عفا الله عنا وعنه في صفحات على شخص معاوية رضي الله عنه ومن معه من الصحابة بما يثير غضب كل سني, وسماه فيه باسمه في أكثر من عشرين مرة ولم يترض عليه ولو في واحدة مع أن الله تعالى رضي عنه و عن سائر الصحابة فرضي الله عنه وأرضاه وأدخله فسيح جناته . وهاك بعضا من طعونه في السيد الحليم معاوية :
الطعنة الأولى :
قال في الكتاب المذكور آنفا (ص 245 ) وهو يتحدث عن معاوية: (يأتي الإستكبار القبلي وفي يده السيف ليعيد المؤتلفين الأحرار من عبادة لله إلى عبادة جبابرة)
الطعنة الثانية :
قال (ص255 ) : (كانت سنة ستين للهجرة هي السنة التي مات فيها معاوية شيخ العصبية القبلية الأموية القرشية)
الطعنة الثالثة :
وقال في سياق حديثه عن الخطبة السيفية المكذوبة والتي يذكر فيها أن معاوية رضي الله عنه كذب على الناس في شأن مبايعة سادة المسلمين ليزيد : (هل ينفصل الإكراه و العنف عن الكذب والتلفيق ؟ هل القران المكيفيلي إلا غريزة من غرائز الإستبداد ؟)
الطعنة الرابعة :
ويقول في ذلك أيضا (ص349 ) : (كان الإكراه والكذب والنفاق مناخا اجتمعت فيه شرائط الفساد والإفساد)
الطعنة الخامسة :
قال وهو يتحدث عن ما نقله الأخباريون عن معاوية من إعطائه الأموال لبعض الكبار لاستمالتهم إليه ورفضهم ذلك : (كان الأتقياء شحيحين بدينهم وكان المنافقون يتاجرون في الدين وكان الملك بين ذلك على بينة من المعاملة المريبة لكنها العصبية الأموية بوسائل ظالمة : العنف وسفك الدماء والكذب والنفاق وشراء الدين )
وأما الزلات التي وقع فيها إما جهلا أو كذبا فكثيرة منها :
الزلة الأولى :
قوله في الشورى والديمقراطية (ص 250 ): (يتورع بعض علماء المسلمين عن التعرض لما فعله معاوية وحاشيته مخافة الوقوع في أعراض الصحابة )
قلت : بل كلهم يتورعون , وتورعهم هو الحق الذي لا ينازع فيه أحد من أهل السنة والجماعة.وسيأتي بيان ذلك في محله.
الزلة الثانية :
قوله { ص 250 } أيضا : (غالى ابن تيمية وحط من الإمام علي ,فزعم أنه كان يقاتل على الرئاسة وأن رايته كانت مخذولة), قلت : هذه لا أستطيع فيها أن أملك لساني فأقول : هذا كذب صريح لا يكون إلا من جاهل مريض أو حقود كذاب أو غبي أحمق تنطلي عليه أكاذيب خصوم ابن تيمية! ـ ولست أتهمه بواحدة معينة منها وأدع ذلك للمنصفين ـ فكيف يحط منه وهو القائل : { من لم يربع بعلي في الخلافة ـ أي يجعله رابع الخلفاء ـ فهو أضل من حمار أهله } والله أعلى وأعلم
الزلة الثالثة :
قوله في كتابه تنوير المؤمنات( 2/20 ): أخبر عروة خالته عائشة بأن الإمام عليا يسب ويشتم ويلعن على المنابر قالت عائشة : يا ابن أختي أمروا أن يستغفروا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبوهم
قلت : هذا يوحي إلى من يقرؤه أن سبب مقالة أمنا عائشة رضي الله عنها هو سب علي رضي الله عنه فقط وهذه خيانة علمية وتحريف لا يليق برجل يوصف بالصلاح من قبل مريديه؟ فإن عائشة رضي الله عنها قالت ذلك لما أعلمت بأن الناس يسبون عثمان في مصر وعليا في الشام وغيرهما في أماكن أخرى قال القاضي عياض في إكمال المعلم : (الظاهر أنها قالت هذا عندما سمعت أهل مصر يقولون في عثمان ما قالوا وأهل الشام في علي ما قالوا والحرورية في الجميع )
فلماذا التزوير والإقتصار على ذكر علي وحده دون عثمان ذي النورين مجهز جيش العسرة أمير المؤمنين وثالث الخلفاء الراشدين .
الزلة الرابعة :
قوله في تنوير المؤمنات ـ هكذا سماه والله أعلم ! ـ { 2/20} : (كان شتم علي ولعنه على المنابر مما فعله وأمر به معاوية )
كذا قال , وهي زلة تظهر قلة بضاعته التاريخية وبعده عن فن التحقيق وجرأته على اتهام الناس بلا تبين ،ولعله حقد بغيض! وكما قال الحافظ بن حجر رحمه الله : (من تكلم في غير فنه أتى بهذه العجائب )! وإن كنت أشك في أن يكون له فن يتقنه, فإن هذا وأمثاله لا يصح, فلعن علي على المنابر إنما شاع بعده رضي الله عنه ، إلا إذا كان دليله على صحته وروده في كتب التاريخ . بس! والله المستعان .
الزلة الخامسة :
قال في { الشورى ص251 } : (كان الإمام الحسن البصري وهو من كبار التابعين عاصر الوثبة الأموية وما جناه على الإسلام بنو أمية بصيرا بما حدث حكيما صريحا روى ابن الأثير مقالة الإمام قال : ( أربع خصال كن في معاوية لو لم تكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة)
والعجيب في المسألة أن هذه المقالة من رواية صاحبنا أبي مخنف الرافضي المتهم !! وأصلها عند الطبري في التاريخ(3/233//دار الكتب العلمية)
من أجل هذا وغيره أحببت أن أتحدث إلى إخواننـــا في جماعة العدل و الإحسان خصوصا وإلى غيرهم عموما و قد شجعني على ذلك ما أعرفه عن بعضهم من حبهم للحق و إجلالهـم للنبي صلى الله عليه وآله و سلم و أصحابه هذا ظني بهم و الله حسيبهم و لن أطيل عليك أخي في الله فهاك كلماتي أهديها لك فــي طبق نصيحة مطيب بطيب الأخوة و اعلم أنه ما دفعني لكتابة هذه السطور إلا حبي لهم و ما أوجبه الله علينا من حق بيان فضلهم و الدفاع عنهم و الذب عن أعراضهم خصوصا إذا ظهر من ينال منهـــم و قد قال الخطيب البغدادي رحمه الله في الجامع ( ): { فلزم الناقلين للأخبار والمتخصصين بحـمل الآثار نشر مناقب الصحابة الكرام و إظهار منزلتهم و محلهم من الإسلام عند ظهور هذا الأمر العظيم و الخطب الجسيم و استعلاء الحائدين عن سلوك الطريق المستقيم ليهلــك من هلك عن بينة و يحيى من حي عن بينة } وقال شيخ الإسلام في منهاج السنة النبوية : {إذا ظهر مبتدع يقدح فيهم بالباطل فلا بد من الذب عنهم وذكر ما يبطل حجته بعلم وعدل } وليس قصدي الاستيعاب فقد كتب في الذب عنه كتب عظيمة لعلماء أفاضل أجلاء.كالشيخ الفرهاوي الهندي في الناهية عن طعن أمير المؤمنين معاوية والشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله تعالى وغيرهما .ولا حول ولا قوة إلا بالله.
معاوية بن أبي سفيان t صحابي جليل ممن أسلم يوم الفتح و قيل قبل ذلك و هو من الذين قال الله فيهم : { وكلا وعد الله الحسنى }(الحديد /10) وقال تعالى : { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون}(الأنبياء/100) ذكره ابن حزم رحمه الله في جملة المعدودين من أهل الفتوى , وكان معروفـا بالحلم و العقل حتى قال فيه الإمام أحمد رحمه الله: { السيد الحليم } و هو أول ملك فـي الإسلام قال فيه ابن الذهبي رحمه الله في السير(3/120): ( أمير المؤمنين ملك الإسلام) و قال فيـه (3/159): ( و معاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم وما هو ببريء من الهنات والله يعفو عنه ) وقال ابن كثير رحمه الله : ( أول ملوك الإسلام و خيارهم ) و قال فيه الإمـام ابن أبي العز الحنفي رحمه الله : ( هو خير ملوك المسلميـن ) و وصفه رضي الله عنه بالملك هو مقتضى الإنصاف و العدل فقد ذكر ابن الذهبي رحمه الله في السير (3/140) أنه قيــل له : أنت تنازع عليا أم أنت مثله ؟ فقال :{ لا و الله إني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما و أنا ابن عمــه و الطالب بدمه فأتوه و قولوا له فليدفع إلي قتلة عثمان و أسلم له } و هـذا خلاف ما يروج في أوساط إخواننا في العدل و الإحسان من أنه كان يريد الحكــــم أصالة , وقد كان معاوية قد تولى الملك بعدما تنازل له الإمام الحسن بن علي رضي الله عنهما حقنا للدماء كما قال بعضهم :
ثم تولى الحسن الإمـامـــه فمنحت بيمنه السلامــــه
و حقن الله به الدمـــــاء و أذهب المحنة و الـــلأواء
و سلم الأمر إلى معاويـــه حياته و صار عنها ناحيــه
فسار فيها بن أبي سفيــانْ بسيرة للعدل و الإحســـانْ
وفي تاريخ البخاري (7/326) عن معمر عن همام بن منبه قال : قال ابن عباس : { ما رأيت أحدا أخلق من معاوية }
فائـــــدة :
ذكر شيخنا أبو أويس حفظه الله في نقل النديم قال :
{نقل المرتضى الزبيدي في شرحه للإحياء ( إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين ) عن محيي ( الطين ) ابن العربي الحاتمي الصوفي قوله : معاوية كاتب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و صهره و خال المؤمنين فالظن بهم جميل رضي الله عنهم أجمعين و لا سبيل إلى تجريحهم و ليس لنا الخوض فيما شجر بينهم و هم مأجورون في كل ما صدر عنهم عن اجتهاد سواء أخطأوا أو أصابوا , قال مرتضى تعليقا على هذا الكلام : و هو كلام نفيس يفتح باب حسن الإعتقاد في سلفنا و يتعين على كل طالب للحق معرفة ذلك }
قلت : و مثل هذا قوله في محاضرة الأبرار:
{ سكت في كتابي هذا عما شجر بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم لما يتطرق للنفوس الضعيفة وأهل الأهواء من الترجيع حتى لا أذكر الغيبة ولا أفوه بما فيه ريبة }
روى الخلال رحمه الله في السنة (2/4343) عن أبي الحارث بإسناد صحيح قال : وجهنا رقعة إلى أبي عبد الله ما تقول رحمك الله فيمن قال لا أقول إن معاوية كاتب الوحي ولا أقول أنه خال المؤمنين فإنه أخذها بالسيف غصبا قال أبو عبدالله هذا قولسوء رديء يجانبون هؤلاء القوم ولا يجالسون ونبين أمرهم للناس .وقال شيخ الإسلام رحمه الله : { و معاوية لم يدع الخلافة و لم يبايع له بها حيـــن قاتل عليا و لم يقاتل على أنه خليفة و لا أنه يستحق الخلافة } قال ابن حزم رحمه الله : { فلم يطلب معاوية من ذلك إلا ما كان له من الحق أن يطلبه و إنما أخطأ في تقديمه ذلك على البيعة } وقال ابن خلدون : { لم يكونوا في محاربتهم لغرض دنيوي أو لإيثار باطل أو لاستشعار حقد كما قد يتوهمه متوهم وينزع إليه ملحد } و قال شيخ الإسلام رحمه الله: { و نعلــم مع ذلك أن علي بن إبي طالب كان أفضل و أقرب إلى الحق ممن قاتله مع معاويــــة } وقال : { من لم يربع بعلي في الخلافة فهو أضل من حمار أهله } وقال ابن الذهبــــي رحمه الله (8/210):{لا نرتاب أن عليا أفضل ممن حاربه و أنه كان أولى بالحق } ومع هذا فلا ينبغي الوقيعة في أحد ممن قاتله { فكثير من السابقين الأولين لم يتبعوه ولم يبايعوه وكثير من الصحابة والتابعين قاتلوه } قاله ابن تيمية، و قال ابن خلدون المؤرخ المحقق رحمه الله في المقدمة أيضا: { و إن كان المصيب عليا فلم يكن معاوية قائما فيها بقصد الباطل إنما قصده ا














































































